صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

8

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

جهة الشهوات ولهذا كان السلف يقولون « احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعمته دنياه » . قال تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً « 1 » . وكانوا يقولون « احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون » . وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع ، والهوى على العقل . فالأول : أصل فتنة الشبهة ، والثاني : أصل فتنة الشهوة ، ففتنة الشبهات تدفع باليقين ، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين ، فقال : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ « 2 » . فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . وبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة ، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة « 3 » . الفرق بين الفتنة والابتلاء والاختبار : الفرق بين الفتنة والاختبار : هو أن الفتنة أشد الاختبار وأبلغه ، ويكون في الخير والشر ألا تسمع قوله تعالى : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * « 4 » . وقال تعالى : لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ « 5 » . فجعل النعمة فتنة لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المنعم عليه بها كالذهب إذا أريد المبالغة في تعرف حاله أدخل النار ، واللّه تعالى لا يختبر العبد لتغيير حاله في الخير والشر وإنما المراد بذلك شدة التكليف . أما الفرق بين الاختبار والابتلاء : فهو أن الابتلاء عادة لا يكون إلا بتحميل المكاره والمشاق . والاختبار يكون بذلك وبفعل المحبوب ألا ترى أنه يقال اختبره بالإنعام عليه ولا تقول ابتلاه بذلك ولا هو مبتلى بالنعمة كما قد يقال إنه مختبر بها ويجوز أن يقال : إن الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية ، والاختبار يقتضي وقوع الخبر بحاله في ذلك ، والخبر العلم الذي يقع بكنه الشيء وحقيقته فالفرق بينهما بين . والفتنة تأتي أيضا بمعنى الابتلاء كما في قوله تعالى : ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ « 6 » .

--> ( 1 ) الفرقان / 20 . ( 2 ) السجدة / 24 . ( 3 ) ابن القيم ، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ( 2 / 160 - 161 ) . ( 4 ) التغابن / 15 . ( 5 ) الجن / 16 - 17 . ( 6 ) العنكبوت / 1 - 3 .